17 سبتمبر 2019

آخر الأخبار
firstonemedia

ذ.رشيد بونويجم: هكذا أشير بأصابعي إلى أطفال الشوارع

ذ.رشيد بونويجم: هكذا أشير بأصابعي إلى أطفال الشوارع

دعونا ننصت للشارع الإجتماعي ونحس بنبضاته واحتكاكاته، أنه مليئ بالإرهاصات والتجليات التي ترفع راية المعاناة، دون كلام أو إزعاج في صمت مخيف كأنه بركان يستعد للإنفجار دون ضجيج أو اهتزازات مبشرة بقدوم الكارثة، وأنا ها هنا أشير بأصابعي إلى أطفال الشوارع ذكورا وإناثا، ظاهرة اجتماعية بامتياز، تنخر المجتمع المغربي وعلاقاته الاجتماعية وقيمه الأخلاقية، تعبر بشكل علني عن أزمة خفية في النسق الاجتماعي، في مدخلاته ومخرجاته، إنها ظاهرة قديمة جديدة، ونقصد بها بدءا، هي ظاهرة تتمثل في أطفال يعيشون في الشارع العام يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، أضحت الشوارع والأزقة بيتهم المنزلي، يتضمن مكان النوم والأكل واللعب وكسب الرزق اليومي لضمان الإستمرار، وداخل هؤلاء الأطفال يستوطن الإدمان ومحاولات الانتحار والعنف الجسدي والجنسي والنفسي، إنها ظاهرة مركبة ومعقدة، يصعب مقاربتها، ظاهرة أطفال الشوارع إنبرت بشكل ملفت إلى الوجود خاصة في المدن الأكثر حركية وكثافة سكانية في بداية التسعينات، خاصة في ثلاث مدن وهي الدار البيضاء وطنجة ومراكش إلى درجة استفزت السلطات المحلية، حتى إنفرض عليها التنسيق بشدة مع جمعيات المجتمع المدني لإيجاد حلول ممكنة، أو على الأقل التقليل من حضورها، لكن المحاولات تكللت بالفشل الذريع، لأنها مجرد إرتجال تجاوز أهل التخصص في علم الاجتماع للتسلح بالمنهج العلمي للفهم وبعد ذلك التفكير بشكل جماعي في الحلول، إذن في سياق هذا المنطوق المتواضع سنحاول الفهم إنطلاقا من أحد عينات الظاهرة قيد التحليل، وهذا الأمر فقط لتقريب القارئ من كشف ظاهرة أطفال الشوارع

فكان اللقاء صعب المراس مع إحدى هاته الحالات وهو طفل في الثانية عشر من عمره يعيش بالقرب من محطة الحافلات بإنزكان ويلقب بالكازاوي ، وهذا مكانه المفضل لأنه يكسب فيه بعض الدريهمات لردع الجوع وشراء قنينات الديليو لإسكات التفكير والنوم في أحلام هنيئة وراء فندق الحكونية وبالضبط في الحديقة التي في واجهتها، كان اللقاء معه أمرا مصتعصيا لإنه كان يخال بداية أنني مساعد اجتماعي أريد أخذه إلى إحدى المراكز الإجتماعية، فكان يفر ولايقبل مكالمتي خاصة وأنا أحمل دفترا وقلم الرصاص، لكن شيئا فشيئا إعتاد مجالستي ومحادتثي، فبدأ يستئنس وجودي، فكنت دائما أمازحه لتذويب الجليد بيننا لكن رغم ذلك سرعان ما يعود لعالمه الخاص ويتوجس مني فيجيبني ببعض الكلمات أو أنصافها، حتى مرة مدة ليست بالهينة، فبدأ يعتبر وجودي عاديا فأضحى يعاملني كالصديق، آنذاك كانت الفرصة سانحة لطرح بعض الأسئلة المنهجية، من قبيل ما القصة؟ أو كيف وصلت إلى الشارع؟ قبل الجواب يصمت بأسى شديد، ويقول، أنا كنت طفلا يعيش في أسرة تتكون من أب وأم وأخت تكبرني بسبعة سنوات، كان أبي يشتغل في شركة لتعليب، لا أعرف الفقر أو الشارع، وكانت أمي ربة بيت، وأنا وأختي ندرس في مدرسة قريبة من مسكننا بدرب سلطان، ويبتسم ولا تنسى فأنا ودادي، فأكمل قائلا في يوم السبت، قبل سنتين تفاجئت أمي أنا أبي يخونها مع صديقتها، فبادرت لفتح الموضوع معه لماذا تفعل مثل هذا الأمر؟ فأختلفا في النقاش فنهال عليها بالضرب، فتدخلت أختي فضربها ضربا شديدا، في الصباح من تلك الليلة ازدات الأزمة فصارت أزمتين

وذلك بهروب أختي مع صديقها، فلم يجدوا لها أثرا إتهمها أبي بإنها هي التي شجعتها وحرضتها فارتفع منسوب الغضب وضربها للمرة الثانية، فاضطرت أمي إلى الخروج من منزلنا فذهبت إلى أحد الجيران، وبعد ساعات قليلة من ذهاب أبي إلى العمل أخذتني إلى مدينة سطات عند جدي، مكثنا هناك سنة كاملة لإن أبي طلق أمي، فراحت تعمل في الأعمال الفلاحية، لمدة يوم كامل وأنا بدأت أحب الشارع، والتقيت بعدد من الأصدقاء نمضي النهار في شوارع سطات نتسكع نترجى الناس بعض الدراهم من أجل شراء السيليسيون فكانت أول تجربة مع بلاستيكة، كانت روعة كل شيء جميل، يوم بعد يوم، حتى أصبحت أحب ما أفعل لإني أحس بالفرح وأنسى الحزن، إكتشفت الأم أني لا أذهب إلى المدرسة، وخوفا من التعنيف سافرت هربا إلى مدينة مراكش أنا و الأحمر… صديقه يلقب بالأحمر لأن كنيته هي قريبة من اللقب… فمكثنا في مراكش ستة أشهر فقررنا أنا والأحمر السفر من جديد إلى إنزكان لأنه أحد الكورتية في الحافلة أخبرنا بأن ناس سوس وأكادير سخيين وجئنا إلى هنا لكي ندبر حالنا اليومي، هل حاولت العودة إلى البيت عند الأم أو الأب؟ ، إستهزء من سؤالي بضحكة طفولية عفوية أبي تزوج وأمي لا أريد العودة إليها لكي لا أزيدها همي، والغريب في ذلك أنه كان في جيبه أوراق إرسال بعض الأموال إلى أمه أمينة، فسألته ما هذا، أجابني كنعاون مي شويا وكندبر عليها مرة مرة على حسب، قصة واقعية تحمل في طياتها الكثير من التساؤلات

تعبر عن هشاشة أسرية واضحة لا أخلاقيا ولا علائقيا، مشكل الخيانة، هو القشة التي قسمت ظهر البعير، بل هناك مسببات تنتج الخيانة أسريا، وفي هذا السياق لا نملك معلومات بل مجرد احتمالات، ولكنها هي السبب الصريح حسب الحالة الماثلة أمامنا، فتلاها العنف الأسري من الأب فوقع الهروب إلى المجهول، وتبعه قرار الطلاق الذي سار أمرا سهلا جدا، تفككت الأسرة في وقت وجيز فأنتج هذا الوضع المأزوم طفل شارع لا يزال برعما يافعا، اختار طواعية وحبا الشارع لأنه وجد الرفقة وقدموا له دواء النسيان، فأضحى همه حفظ نعمة النسيان ولو بالإدمان والعيش في أحضان الشارع، هنا مشكل اجتماعي ولد مشكل إجتماعي جديد أفدح منه، نحن هنا لا نحاسب أحدا بل فقط نريد خلق لحظة سوسيولوجية للفهم والإستبيان. فما دواعي وجود ظاهرة أطفال الشوارع؟ . من خلال هاته الحالة الواقعية نعلن أنا الخيانة والطلاق من الأسباب المباشرة لوجود أطفال الشوارع، وتتعدد الحالات بتعدد المسببات، هكذا انتهى الحوار مع صديقي الكزاوي بإبتسامته العفوية والرقيقة والتي تترنح وتصرح بواقع فصل من فصول الطفولة في مجتمعنا التي تعيش المحنة في صمت ميت.

مقالات ذات صله

1 تعليقات

  1. سفيان جابري

    جيد جدا أستاذي الفاضل هذا موضوع متكامل يشرح الأسباب التي تدفع الأطفال الصغار والكبار إلى الإنحراف و التقيد بالشارع بإعتباره الملجأ الوحيد لإسكات الوساوس التي تعتريهم إزاء التفرقة الأسرية خاصة بين الأب و الأم و كما قلت فإن هذه العينة ليست سوى جزء لا يتجزأ من العينات التي تعرف نفس الظاهر. و السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما دور المجتمع المدني في حل هذه المعضلة ؟

    الرد

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *