15 يونيو 2021

من نحن    اتصل بنا
آخر الأخبار
firstonemedia

روبورطاج: ظاهرة الصقير “بتافراوت أملن”. من لقاءات جماعية قرب العين الى مواعدات بالمقاهي والفنادق

روبورطاج: ظاهرة الصقير “بتافراوت أملن”. من لقاءات جماعية قرب العين الى مواعدات بالمقاهي والفنادق

فاطمة المرابط

تعتبر فرص اللقاء بين الجنسين ظاهرة غير اعتيادية في المجتمع الأمازيغي، فالفصل شبه المطلق بين الجنسين لا زال سائدا في قبائل أمازيغية بجهة سوس، حيث تحاول كل قرية فرض مراقبة صارمة على الذكور والاناث، ما يمنعهم من الاقتراب من بعضهم، اذ نجد الفصل بين الجنسين في بعض القرى مفروضا بطريقة عنيفة ذات خصوصية كما هو الحال بقرى وقبائل إقليم شتوكة أيت باها، فاللقاءات بين الجنسين عندهم تعتبر خطيئة تستدعي معاقبة الفتاة، فكان اختراق المرأة لأمكنة خاصة بالرجال بجبال أقاليم شتوكة أيت باها وغيرها من القبائل الأمازيغية المحافظة محظورا والعكس.

إلا أن الأمر مختلف تماما هنا بقرية “أملن” بمدينة تافراوت ففرص اللقاء سهلة عندهم كي يتبادل الشباب الحب ويرغبوا في الزواج، فاللقاءات بين الجنسين بالقرية تجاوزت كل الحدود فقد رخصت لها الأعراف والتقاليد، والآباء من جهتهم لا يرون بأسا في مواعدة بناتهم لشباب القرية وخارجها من الدواوير المجاورة بغية الزواج. الا أن ظاهرة الصقير في السنوات الأخيرة تجتاز مرحلة فوضى وخلط شديدين نظرا لانفتاح الشباب ودخول الغريب، لتتحول من ظاهرة غايتها الزواج وبناء أسرة الى لعب وعبث وميوعة لدى الجنسين. والواقع أن القواعد التقليدية التي تتحكم في ظاهرة الصقير “بتافراوت أملن” تتعرض لخرق من طرف أبناء القبيلة والدخلاء.

الأول للأخبار رصدت ظاهرة الصقير “بتافراوت أملن” وأعدت الروبورطاج التالي:

 

“تافراوت أملن” قرية عصرية وسط جبال سوس

تقع تافراوت أملن بالجنوب الغربي للمملكة المغربية، وهي تبعد عن مركز مدينة تافراوت حوالي 4 كيلومترات، وعن مدينة تزنيت بحوالي 111 كلم، وعن مدينة أكادير عبر أيت باها170   كلم. تحدها شرقا الصحراء، وجنوبا كلميم، وشمالا أكادير، وغربا تزنيت، وقد أطلق عليها هذا الإسم لتمييزها عن “تافراوت المولود”. تضم تافراوت أملن ما يقارب 20 قرية على سفح جبل لكيست منها   : أومسنات، تنديلت، تازولت، ديملالن، اغالن، أسكاور، أسكين، تامالوكت، أنيل أنامر، أكلز، أيت طال مسعود، أزرو واضو، تاكديشت، أنزكي، أكرض أوضاض،

أكثر شيء يستهوي زوار هذه المنطقة بشكل خاص ومدينة تافراوت بشكل عام الزي التقليدي التافراوتي الخاص بالنساء، فهو عبارة عن قطعة قماش طويلة ذات اللون الأسود أو الأبيض   يسمى بالأمازيغية ” أملحاف”. ففي الأيام العادية ترتدي فتيات القرية لباسهن العادي، لكن مع حلول الصيف فالكل يرغب في ارتداء الزي التقليدي الخاص بالمنطقة، وبالأخص الزوار والوافدين اليها من أبنائها.

“فتافراوت أملن” ليست كغيرها من القرى، فأهلها منفتحون غاية انفتاح لا يأمنون بالعادات ولا التقاليد فالحياة بها لا تختلف عن حياة المدن العصرية.

 

الصقير لقاءات عاطفية تستبيحها العشيرة

يعتقد ساكنة قرية “تافراوت أملن” كون ظاهرة الصقير عادة شائعة لدى مجمل القبائل السوسية بالجنوب المغربي، فاستحسانهم لهذا التقليد الجماعي الذي ورثوه عن أجدادهم، جعلهم يستبيحون اللقاءات العاطفية بين الجنسين رغبة في الزواج وتأسيس أسرة، ما قد يشعرهم بالاستغراب من تشدد بعض القبائل الأمازيغية بجهة سوس ماسة كأقاليم تزنيت وقبائل شتوكة أيت باها، من منع بناتهم من تخطي عتبة البيت دون محرم، فما بالك بالسماح لهن بالبحث عن شريك العمر.

فالزواج في “تافراوت أملن” لا يتم خارج عادة الصقير. هذا ما عرفت به نعيمة في لقاء خاص “للأول للأخبار”  فهي واحدة من التفراوتيات اللواتي غدرن أسوار القرية بدافع الدراسة، حيث تحكي عن استغرابها من التشدد الذي يحكم أعراف وتقاليد قبائل شتوكة أيت باها وأقاليم تزنيت، من خلال منع بناتها من التحدث الى الشبان في الأماكن العامة ولو كان الأمر لغرض ضروري كالدراسة مثلا، فمقابلة الإناث للذكور عندهم خط أحمر لا يجب تخطيه وإلا ستصيبهن اللعنة، تحكي نعيمة.

 

 الصقير محادثات عاطفية لا تخلوا من الضحك والسخرية

تحكي نعيمة عن التجارب العاطفية للتافراوتيات ، خلال ممارستهن لعادة أصقر، ما جعلها حسب قولها لا تخرج عن نطاق النكتة والسخرية، حيث تجتمع الفتيات صبيحة كل يوم لتبادل بعض المواقف الطريفة التي قد عشن أحداثها بالأمس وهن يصقرن، بشكل لا يخلوا من الضحك، ليعاودن تكرار نفس العبث في مساء كل يوم، ما جعل الظاهرة حسب رأيها تفقد مصداقيتها، حيث غدت مجرد تسلية ومتعة لدى الجنسين لبضع سويعات. ما قد يتعداه الى إقامة علاقات محرمة. فناذرا ما تتوج تلك اللقاءات بالزواج في ظل التحولات الاجتماعية التي تعرفها الأسرة التافراوتية اليوم.

 

 “أصقر” من لقاءات جماعية قرب العين الى مواعدات ثنائية بالمقاهي والفنادق  

عرفت ظاهرة أصقر قديما بكونها عبارة عن حوار عذري يجري بين عازبين بغية الزواج وتكوين أسرة، بدواوير “تافراوت أملن”، حيث جرت العادة أن تخرج الفتيات بعد أذان العصر مباشرة وهن متزينات، يقصدن  العين، فيترقبن قدوم الشبان لإجراء حوار عذري يستهل بمساجلة شعرية، تنسجن من خلاله علاقات مع فرسان أحلامهن المحتملين. يقضي العرف المحلي بعودة الفتيات من المكان المخصص للعادة إلى بيوتهن بعيد أذان المغرب مباشرة، احتراماً لتوقيت “أصقر” الممتد من أذان العصر إلى أذان المغرب. بعد أن يحصل توافق بين الشابين.

لكن ممارسة عادة أصقر اليوم، لم تعد كما كانت عليه من قبل مؤطرة بنفس الضوابط الأخلاقية، وذلك بفعل عامل الهجرة القروية، كون غالبية الشباب المحلي هاجر إلى المدن الداخلية وخارج المغرب. “رقية” من بنات “تافراوت أملن” تحكي عن الظاهرة بنوع من الحسرة: “ثقافة الصقير أصبحت اليوم ضحية للتكنولوجيا الحديثة والمواقع الاجتماعية والمسلسلات الماجنة، إذ تحولت من خلالها الظاهرة من حوار عذري جماعي قرب العين المخصص لأصقر بعيد صلاة العصر الى مواعدات ثنائية بالمقاهي والفنادق بعيد صلاة المغرب الى حدود منتصف الليل، وقد يتعداه الى أماكن أخرى كالغابة والخلاء. والتي غالبا ما تكون في مناسبات احتفالية كالمهرجانات وحفلات ” أحواش” حيث يتوافد الدخلاء وأبناء القرى المجاورة اليها ك أبناء “تافراوت المولود، و إداوكنيضيف وأكادير وغيرها، بغية ممارسة ” أصقر” وبالأخص في فصل الصيف، فعلى هامشها يكون التعارف بين الشابين. تحكي ” رقية” بأن “العادة اليوم أضحت تنعرج عن أصولها وأهدافها الحقيقية وأصبحت تضر بسمعة المنطقة”، بلغة أخرى فعادة الصقير اليوم أضحت تمس بسمعة بنات “تافراوت أملن”، التي يوصف أهلها بالإنفتاح مقارنة مع ساكنة “تافراوت المولود” المحافظين.

فغالبية التافراوتيات ممن التقتهم “الأول للأخبار” اللواتي يعشن خارج أسوار القرية ، يرفضن الخوض في أحاديث حول ظاهرة الصقير بدواوير “قرية أملن”، الظاهرة التي كانت تحظى بنوع من القدسية والاحترام لدى الساكنة لعقود خلت قبل أن يلحقها ما قد لحقها اليوم.

 

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *